عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

659

معارج التفكر ودقائق التدبر

الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً . . معظم أفراد الإنسان ، وللدّلالة على أنّ التّعميم بالجمع يكفي فيه انطباقه على الأغلب من الأفراد . ولمّا كان الإنسان في حالة النّعمة فرحا بطرا طاغيا ، كافرا بأنعم اللّه عليه ، وفي حالة المصيبة يؤوسا قنوطا ضجرا وذا دعاء عريض ، ولو كان هو بمعاصيه سببا في معاقبته بما يسوؤه ، كان من مطابقة الواقع أن يقول اللّه عزّ وجلّ بشأنه : * . . فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) : أي : فمن المؤكّد حقّا أنّ الإنسان بالنظر إلى غالب أفراد جنسه كثير الكفر ، كثير الجحود ، ينكر الحقّ وهو عالم بأنّه حقّ . قول اللّه عزّ وجلّ بشأن صورة من صور الرّزق الّذي تكرّر الحديث عنه في هذه السّورة ، وفي سور نزلت قبلها ، ومنها سورة ( الإسراء / 50 نزول ) ، وسورة ( سبأ / 58 نزول ) ، وسورة ( الزّمر / 59 نزول ) ، وهي صورة الرّزق بالذّرّيّة بنين وبنات : * لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) : * لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أي : كلّ السّماوات والأرض وكلّ ما فيهما مملوك للّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - وهو خاضع لسلطانه العظيم في كلّ شيء ، خلقا ، وإمدادا ، وإعداما ، وحياة وموتا ، وابتلاء وجزاء ، وهكذا إلى سائر التّصاريف في كلّ شيء من أصغر جزء في الذّرّة ، إلى أكبر شيء في الكون ، أحياء وغير أحياء . * يَخْلُقُ ما يَشاءُ : أي : يخلق في الوجود الحادث كلّه ما يشاء أن يخلقه ، إيجادا من العدم وإبداعا ، أو إيجادا لكائنات جديدات من